لسان الدين ابن الخطيب
26
الإحاطة في أخبار غرناطة
أوليته : كان القاضي العدل أبو عبد اللّه بن هشام ، قاضي الجماعة بالأندلس ، يجلّ سلفه ، وبنسبه إلى بقيّ بن مخلد ، قاضي الخلافة بقرطبة ، وابن هشام ممّن يحتجّ به . حاله : هذا الرّجل فاضل ، حسن الخلق ، جميل العشرة ، كريم الصحبة ، مبذول المشاركة ، معروف الذكاء والعفّة ، مبسوط الكنف مع الانقباض ، فكه مع الحشمة ، تسع الطوائف أكناف خلقه ، ويعمّ المتضادّين رحب ذرعه ، طالب محصل ، حصيف العقل ، حسن المشاركة في فنون ؛ من فقه ، وقراءات ، ونحو ، وغير ذلك . تكلّم للناس بجامع الرّبض ثمّ بمسجد البكري المجاور للزاوية والتربة اللتين أقمتهما بأخشارش من داخل الحضرة ، وحلّق به لتعليم العلم ، فانثال عليه المتعلم والمستفيد والسامع ، لإجادة بيانه ، وحسن تفهيمه . مشيخته : قرأ القرآن بجرف نافع ، على أبيه ، وعلى الشيخ الخطيب المكتّب أبي عبد اللّه بن طرفة ، والخطيب أبي عبد اللّه بن عامور . وقرأ العربية على إمام الجماعة الأستاذ أبي عبد اللّه بن الفخّار ، وجوّد عليه القرآن بالقراءات السبع ، وقرأ على الأستاذ أبي سعيد بن لب . شعره : أنشدني من ذلك قوله بعد الانصراف من مواراة جنازة « 1 » : [ الرمل ] كم أرى مدمن لهو ودعه * لست أخلي ساعة من تبعه كان لي عذر لدى عهد الصّبا * وأنا آمل في العمر سعة أو ما يوقظنا من كلّنا * آنفا « 2 » لقبره قد شيّعه سيّما إذ قد « 3 » بدا في مفرقي * ما إخال الموت قد جاء معه فدعوني ساعة أبكي على * عمر أمسيت ممّن ضيّعه ومن شعره في النوم ، وهو كثيرا ما يطرقه : [ الوافر ] أباد البين أجناد التّلاقي * وحالت بيننا خيل الفراق فجودوا وارحموا وارثوا ورقّوا * على من جفنه سكب المآقي
--> ( 1 ) الأبيات في الكتيبة الكامنة ( ص 95 ) ونيل الابتهاج ( ص 279 ) ، طبعة فاس . ( 2 ) في الأصل : « أنفا » والتصويب من الكتيبة . ( 3 ) في الأصل : « وقد بدا » وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من الكتيبة الكامنة .